عبد القاهر الجرجاني

298

دلائل الإعجاز في علم المعاني

فادفع بكفّك ، إن أردت بناءنا ، * ثهلان ذا الهضبات ، هل يتحلحل ؟ " 1 " وجملة الأمر أنهم لا يجعلون الشاعر " محتذيا " إلّا بما يجعلونه به آخذا ومسترقا ، قال ذو الرمة : [ من الوافر ] وشعر قد أرقت له غريب * أجنّبه المساند والمحالا فبتّ أقيمه وأقدّ منه * قوافي لا أريد لها مثالا " 2 " قال يقول : لا أحذوها على شيء سمعته . فأمّا أن يجعل إنشاد الشّعر وقراءته " احتذاء " ، فما لا يعلمونه كيف ؟ وإذا عمد عامد إلى بيت شعر فوضع مكان كلّ لفظة لفظا في معناه ، كمثل أن يقول في قوله : [ من البسيط ] دع المكارم لا ترحل لبغيتها ، * واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي ذر المآثر لا تذهب لمطلبها ، * واجلس فإنك أنت الآكل اللّابس " 3 " لم يجعلوا ذلك " احتذاء " ولم يؤهّلوا صاحبه لأن يسموه " محتذيا " ، ولكن يسمّون هذا الصنيع " سلخا " " 4 " ، ويرذّلونه ويسخّفون المتعاطي له . فمن أين يجوز لنا أن نقول في صبيّ يقرأ قصيدة امرئ القيس : إنه احتذاه في قوله :

--> ( 1 ) البيت للفرزدق في ديوانه ص ( 157 ) من قصيدة مطلعها : إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا ، دعائمه أعزّ وأطول وثهلان : جبل ، ويتحلحل : يتحرك ، يقال : حلحل القوم أزالهم عن مواضعهم ، والتحلحل : التحرّك ، انظر البيت في اللسان ( حلل ) ، وجاء برواية " ذو " بدلا من " ذا " والصواب ذا . وفي مقاييس اللغة ( 2 / 20 ) ، وتاج العروس ( ثهل ) ، ( حلل ) ، وبلا نسبة في أساس البلاغة ( ثهل ) . ( 2 ) البيتان لذي الرّمة في ديوانه ص ( 200 ) ، والأول في أساس البلاغة ( فعل ) ، والثاني في لسان العرب ( سند ) . والأرق : السهر . المساند في الشّعر كالسّناد وهو من عيوب الشّعر . المحال من الكلام : ما صرف عن وجهه . وقوله : أقيمه ، أي : أقيم الشّعر شعرا لا يقوله غيره . والبيتان من قصيدة له يمدح فيها بلال بن أبي بردة مطلعها : أراح فريق جيرتك الجمالا * كأنهم يريدون احتمالا والاحتمال : الرحيل . ( 3 ) البيت للحطيئة في ديوانه ص ( 108 ) ، والأزهية ص ( 175 ) ، والأغاني ( 2 / 155 ) ، وخزانة الأدب ( 6 / 299 ) ، وشرح شواهد الشافية ( ص 120 ) ، وشرح شواهد المغني ( 2 / 916 ) ، وشرح المفصل ( 6 / 15 ) ، والشعر والشعراء ( ص 334 ) ، ولسان العرب ( ذرق ) ، ( طعم ) ، ( كسا ) ، وتاج العروس ( طعم ) ، ( كسا ) ، وكتاب العين ( 1 / 143 ) ، وبلا نسبة في تلخيص الشواهد ( ص 418 ) ، وكتاب العين ( 2 / 26 ) . ( 4 ) السلخ : وهو نوع من أنواع السرقات الشعرية وهو الإلمام ومن أنواع السرقات " النسخ ، المسخ . . . " .